تُظهر منصة “اصنع في الإمارات 2026″، التي انطلقت فعالياتها في الرابع من مايو، تحولاً ملحوظاً في المشهد الصناعي الإماراتي، حيث تحتل الشركات الصغيرة والمتوسطة صدارة المشاركين. يعكس هذا الحضور القوي، الذي يمثل 61% من إجمالي العارضين، التزام الدولة بتعزيز قاعدتها الصناعية عبر نماذج مبتكرة ومرنة، مع التركيز على تمكين هذه الشركات كأداة لتحقيق استراتيجيات التحول الاقتصادي وتعزيز الاكتفاء المحلي في ظل التحديات العالمية.
الشركات الصغيرة والمتوسطة: محرك رئيسي للنمو الصناعي
شهدت منصة “اصنع في الإمارات 2026” مشاركة واسعة لأكثر من 1245 شركة عارضة، تمثل 12 قطاعاً صناعياً حيوياً، بزيادة تقدر بـ 73% مقارنة بعام 2025. وتؤكد هذه المشاركة الفعالة على الدور المحوري الذي تلعبه الشركات الصغيرة والمتوسطة. يعزز هذا التوجه مبادرات حكومية وتمويلية تستهدف توطين الصناعة وتسريع تبني التقنيات المتقدمة، مما يساهم في زيادة القدرة التنافسية.
أعلنت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة عن إطلاق أربع منصات جديدة خلال الحدث، وهي: منصة الشركات الناشئة، ومنصة البنية التحتية للجودة، وملتقى الصناعات الذكية، ودار الصناعة. تركز منصة الشركات الناشئة على تسريع نمو الشركات القائمة على التكنولوجيا وتمكين الطلبة والمبتكرين، وتوفير بيئة مباشرة تربطهم بالمستثمرين وجهات التمويل وصناع القرار.
في هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي جمال الجروان أن الشركات الصغيرة والمتوسطة أصبحت “ركيزة محورية في مسار التحول الصناعي” في دولة الإمارات. ويدعم دورها في توطين سلاسل الإمداد الصناعية، وتقليل الاعتماد على الواردات، ورفع نسبة المحتوى المحلي، بما يتماشى مع مستهدفات مبادرة مشروع 300 مليار. كما أن الإعلان عن فرص مشتريات محلية بقيمة 143 مليار درهم يفتح آفاقاً واسعة لهذه الشركات.
يشير الجروان إلى أن هذه الشركات تسهم في تسريع وتيرة الابتكار الصناعي بفضل مرونتها في تبني التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والأتمتة والطباعة ثلاثية الأبعاد. وتُعد المنصات الجديدة، مثل ملتقى الصناعات الذكية و”دار الصناعة”، مصممة خصيصاً لدمج رواد الأعمال والشركات الصغيرة في منظومة الصناعة المتقدمة.
وفيما يتعلق بتحديات التمويل، يسلط الجروان الضوء على الحلول التمويلية التي يقدمها مصرف الإمارات للتنمية، والتي تتجاوز 40 مليار درهم، بالإضافة إلى صندوق الإمارات للنمو بقيمة مليار درهم. ويعكس تعيين الصندوق كشريك حصري لاستثمار النمو في نسخة 2026 تحولاً استراتيجياً لدعم توسع الشركات.
من جهته، يرى خبير أسواق المال محمد سعيد أن الشركات الصغيرة والمتوسطة “تمثل العمود الفقري الحقيقي للتحول الصناعي” وأن استحواذها على 61% من العارضين يعكس دور القطاع الخاص المرن كمحرك رئيسي. هذا النموذج يعتمد على شبكة موزعة تعمل كمحركات لنشر الابتكار، مما يدعم تحقيق مستهدفات مشروع 300 مليار.
يوضح سعيد أن هذه الشركات تلعب دور “طبقة الابتكار” فوق البنية الصناعية التقليدية، بقدرتها على التجريب السريع وتطوير النماذج الأولية، مما يقلل زمن التحول التكنولوجي. كما توفر المنصات المتخصصة في المنتدى، مثل منصة الشركات الناشئة وبرامج التحول الصناعي 4.0، مسارات دعم متكاملة.
تمكين وتوسيع نطاق المشاريع
يشارك “صندوق خليفة لتطوير المشاريع” في منصة “اصنع في الإمارات 2026” لدعم 7 شركات إماراتية صغيرة ومتوسطة في قطاعات متنوعة، تشمل التكنولوجيا الزراعية والذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. ويقدم الصندوق برامج ومبادرات لتمكين رواد الأعمال، أبرزها برنامج “مسرعة التصنيع الخفيف” لتحويل الأفكار إلى منتجات قابلة للتسويق.
يوقع الصندوق خلال الحدث 5 اتفاقيات استراتيجية مع جهات حكومية وخاصة، تشمل مذكرة تفاهم مع “مجموعة الاتحاد” لتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة في منظومة النقل والخدمات اللوجستية، وأخرى مع “طاقة للتوزيع” لفتح مجالات جديدة في قطاع المرافق والطاقة. كما تمتد الاتفاقيات لتشمل جامعة الإمارات العربية المتحدة، ومجموعة “روتانا”، وكليات التقنية العليا، لتعزيز الابتكار وريادة الأعمال.
يؤكد سعيد أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تلعب دوراً محورياً في تعميق التصنيع المحلي من خلال برامج القيمة الوطنية المضافة، وتربط العقود الحكومية بالشركات المحلية. ويوفر المنتدى فرص شراكات وعقود شراء مسبقة لتوطين آلاف المنتجات، مما يعزز مرونة سلاسل الإمداد.
وفيما يتعلق بالتمويل، يعالج المنتدى تحدي محدودية السيولة عبر توفير حلول تمويلية ضخمة من البنوك الوطنية وصندوق الإمارات للنمو، موجهة لقطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا والأغذية والرعاية الصحية. ويهدف هذا الدعم إلى تحويل الابتكار إلى إنتاج مستدام، مع خلق فرص عمل نوعية وتوطين المعرفة.
يختتم سعيد حديثه بالتأكيد على أن منتدى “اصنع في الإمارات” يرسخ نموذجاً صناعياً سيادياً مرناً، يقوم على تكامل الابتكار والإنتاج والتمويل، مما يعكس نجاح هذا النهج في بناء مركز صناعي عالمي يتميز بالسرعة والكفاءة.
ما الخطوة التالية؟ تستمر فعاليات “اصنع في الإمارات 2026” حتى السابع من مايو، ومن المتوقع الإعلان عن المزيد من الشراكات والاتفاقيات التي ستعزز من دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في تعميق التصنيع المحلي. يبقى التحدي في ترجمة هذه المبادرات إلى نمو مستدام وتأثير ملموس على الناتج المحلي الإجمالي.














اترك ردك