كيف يستفيد المصدرون الصينيون من الحرب؟

الصين تتحول إلى ساحة الاستفادة من الحرب: إعادة رسم خريطة التجارة العالمية

خاص

تشهد التجارة العالمية تحولاً جذرياً بفعل الحرب، التي لا تقتصر آثارها على تعطيل الإمدادات ورفع تكاليف الطاقة، بل تمتد لتشمل إعادة توزيع الحصص السوقية بين القوى الصناعية الكبرى. في خضم هذه التحولات، تبرز الصين كلاعب يستغل الاضطرابات لتحويلها إلى فرص، مستفيدة من جاهزيتها الإنتاجية ومرونتها اللوجستية لملء الفراغ الذي تخلفه الدول المتضررة.

تشير المؤشرات الأولية إلى أن المصدرين الصينيين على أعتاب مكاسب محتملة، مدفوعة بارتفاع تكاليف الإنتاج في أوروبا وآسيا، في حين تشهد تكاليف الصناعة داخل الصين استقراراً نسبياً. يرى الاقتصاديون أن الحرب قد تساعد المصدرين الصينيين على اكتساب حصة في السوق العالمية، لاسيما من المنافسين الذين تضرروا بشدة من ارتفاع أسعار الطاقة وصدمات سلاسل التوريد.

يشير تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” إلى أن المصانع الصينية قادرة على الحفاظ على إنتاج ثابت بفضل احتياطيات النفط الكبيرة وإمدادات الطاقة المحلية. في المقابل، قد يحفز اضطراب أسواق النفط والغاز الناتج عن الحرب تحولاً طويل الأجل نحو الطاقة الخضراء، وهو ما يعود بالفائدة على الصناعة الصينية.

وقال كبير الاقتصاديين الآسيويين في بنك HSBC، فريد نيومان، إن “الصين تستحوذ على حصة أكبر من السوق العالمية نتيجة لصدمة الطاقة”. ورغم ذلك، يحذر خبراء من أن أداء المصنعين الصينيين سيعتمد على مدى تأثير الحرب على النمو الاقتصادي العالمي.

نيران الحرب وتداعياتها الاقتصادية

يؤكد خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن “نيران الحرب تسببت في صدمة عنيفة لأسواق الطاقة العالمية، وأدت إلى اختناقات حادة في سلاسل الإمداد”. هذه الصدمة انعكست بشكل مختلف على الاقتصاد الصيني مقارنة بالغرب، حيث دخلت الصين الأزمة وهي تعاني من ضغوط انكماشية، في حين كانت اقتصادات أخرى منشغلة بمكافحة التضخم المرتفع.

وأضاف سعيد أن هذا التباين منح الصين ميزة انخفاض تكاليف الإنتاج، بينما عانت المصانع في دول أخرى من ارتفاع فواتير الطاقة. وقد عززت بكين استراتيجياً وارداتها النفطية ورفعت مخزوناتها، مستفيدة أيضاً من استمرار حصولها على النفط من روسيا وإيران بأسعار مخفضة.

ويشير سعيد إلى أن تعطل الإنتاج لدى المنافسين وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين أتاحا فرصة للمصانع الصينية لملء الفراغ سريعاً، مع توقعات بارتفاع نمو الصادرات، خاصة في قطاعات الصناعات التحويلية. كما تسرع الأزمة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، وهو ما يصب في صالح الصين التي تهيمن على سلاسل توريد الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية.

لكن سعيد يحذر من أن هذه المكاسب لا تخلو من المخاطر، حيث تظل الصين أكبر مستورد للطاقة عالمياً. وأي استمرار في إغلاق الممرات البحرية سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل وأسعار المواد الخام، مما يضغط على هوامش أرباح الشركات. “الخطر الأكبر يتمثل في احتمال تدمير الطلب العالمي”، حسب قوله، حيث قد تؤدي أزمات الغذاء والطاقة إلى ركود اقتصادي في أوروبا.

الصين.. فائز استراتيجي في ظل عدم اليقين

من جانبه، يعتبر تقرير لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي أن الصين تبرز كفائز استراتيجي. تمتلك الصين موقعاً يؤهلها للاستفادة، على الرغم من اعتمادها على الشرق الأوسط للحصول على النفط. ومع ذلك، فقد اتبعت الصين نهجاً حذراً، حيث انخرطت في دبلوماسية مباشرة مع طهران لتأمين ممر آمن لسفنها.

كانت الصين تستعد لخطر انقطاع إمداداتها النفطية، فرفعت وارداتها النفطية بنسبة 16 بالمئة في شهري يناير وفبراير 2026. بلغت صادرات النفط الروسي المنقولة بحراً إلى الصين نحو 2.1 مليون برميل يومياً، لتصل احتياطياتها الاستراتيجية والتجارية الحالية إلى ما يكفي لتغطية وارداتها لأربعة أشهر تقريباً.

وتؤكد الكاتبة والمحللة الصينية سعاد ياي شين هوا، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن الصين تلتزم بموقف موضوعي ومتوازن تجاه التوترات الحالية، وتسعى نحو وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب. تدرك أن النزاعات تؤدي إلى زعزعة استقرار سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع التكاليف، وما قد يطرأ من تعديلات مرحلية في هيكل الأسواق لا يعكس فرص نمو مستدامة، بل هو انعكاس مباشر لتصاعد المخاطر.

التحدي الرئيسي أمام المصدرين الصينيين، حسب ياي شين هوا، لا يتمثل في كيفية الاستفادة من الحروب، بل في كيفية الحفاظ على استقرار الإمدادات والاستجابة لاحتياجات السوق العالمية. ارتفاع أسعار الطاقة يؤثر على الإنتاج في الاقتصادات المعتمدة على الطاقة، ويمكن للصين أن تلعب دور “المُثبّت” في الأسواق الدولية بفضل قدرتها الإنتاجية المستقرة.

تصاعد المخاوف بشأن أمن الطاقة يسرّع التحول العالمي نحو الطاقة الخضراء، وتتمتع الصين بقدرات صناعية كبيرة في مجالات الألواح الشمسية والبطاريات ومركبات الطاقة الجديدة، لتقدم حلولاً بتكلفة معقولة. كما تبرز أهمية خطوط النقل البرية كمسارات بديلة للتجارة، مع تنويع أنظمة التسوية عبر الحدود.

تحذر ياي شين هوا من المخاطر المرتبطة بتقلبات الطلب العالمي، والمخاطر المالية، واحتمالات فرض عقوبات ثانوية. ويبقى الاعتماد على التغيرات قصيرة الأجل محفوفاً بالمخاطر. النهج الأكثر استدامة يتمثل في تنويع الأسواق، والتركيز على القطاعات ذات الميزة التنافسية للصين، وتعزيز الامتثال وإدارة المخاطر، وبناء سلاسل إمداد أكثر أماناً ومرونة.