ما الذي تعكسه الأرباح القياسية للبنوك الأميركية؟

أرباح قياسية للبنوك الأميركية في 2025: ما وراء الأرقام

في مفارقة لافتة، حققت البنوك الأميركية أرباحاً قياسية في عام 2025، بلغت حوالي 300 مليار دولار، وذلك في وقت كانت فيه تداعيات التشديد النقدي وارتفاع أسعار الفائدة تثير قلق الأسواق بشأن متانة القطاع المالي. هذه الأرقام، التي استندت إلى بيانات المؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع (FDIC)، تقدم رواية مختلفة تماماً عن أداء البنوك، وتُظهر قدرتها على التعزيز من هوامش ربحها عبر الاستفادة من بيئة فائدة مرتفعة ونشاط قوي في الإقراض والتداول.

أظهرت الأرقام الصادرة أن أرباح أكثر من 4300 بنك أميركي في عام 2025 بلغت ما مجموعه 295.6 مليار دولار، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 10% عن العام السابق، ومتجاوزة بذلك الرقم القياسي السابق للقطاع المصرفي البالغ 279 مليار دولار في عام 2021. ويمثل هذا الأداء فترة ازدهار للقطاع المصرفي الأميركي، مدعوماً بسياسات ساهمت في رفع رواتب كبار المسؤولين التنفيذيين في هذا القطاع.

أداء مختلف في ظل بيئة اقتصادية متغيرة

يُشير رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، إلى أن أداء القطاع المصرفي يختلف نسبياً عما كان عليه في فترات سابقة، وذلك بسبب تغير البيئة الاقتصادية والمالية الحالية، والتي تتسم بمعدلات تضخم أعلى وأسعار فائدة مرتفعة وعجز مالي متزايد. وقد استفادت المصارف الأميركية بشكل واضح من مستويات الفائدة المرتفعة التي دعمها الفيدرالي، مما أدى إلى توسيع هامش صافي الفائدة.

وأضاف صليبي أن البيئة التنظيمية شهدت مرونة أكبر بعد أزمة البنوك الإقليمية في عام 2023، حيث تم تخفيف بعض القيود المفروضة على القطاع، مما قلل من الضغوط المرتبطة بمتطلبات رأس المال وأتاح مجالاً أوسع للتوسع في الإقراض وتعزيز عمليات الاندماج والاستحواذ. وعلاوة على ذلك، ساهمت السياسات المالية التوسعية والتحفيز الاقتصادي، رغم استمرار الفائدة المرتفعة، في زيادة الطلب على التمويل من قبل الشركات ومشاريع البنية التحتية والطاقة، مما دعم نشاط الإقراض والخدمات المصرفية الاستثمارية.

كما كان لارتفاع التقلبات في الأسواق المالية دور في تعزيز أرباح البنوك، حيث شهدت إيرادات التداول والخدمات الاستثمارية نمواً ملحوظاً لدى المؤسسات المالية الكبرى مثل JPMorgan Chase و Bank of America و Goldman Sachs، مدفوعة بالتقلبات المرتفعة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي. ويُتوقع أن يظل استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، إلى جانب النشاط القوي في الأسواق المالية، عاملاً رئيسياً داعماً لربحية القطاع المصرفي الأميركي في المرحلة المقبلة.

دور الاحتياطي الفيدرالي والسياسات الاقتصادية

منذ عام 2022، بدأ الاحتياطي الفيدرالي دورة تشديد نقدي غير مسبوقة، حيث رفع أسعار الفائدة من مستوياتها المنخفضة التي سادت خلال حقبة الجائحة، وذلك في محاولة لكبح جماح التضخم واستعادة الانضباط السعري. هذا التحول الحاد في كلفة الأموال أعاد رسم خريطة المخاطر في الأسواق، وأثار تساؤلات عميقة حول قدرة المقترضين على التكيف مع بيئة تمويلية أكثر صرامة، خاصة بعد سنوات من سيولة رخيصة وشروط اقتراض ميسرة.

وتُشير معطيات إلى أن القطاع المصرفي الأميركي شهد فترة ازدهار غير مسبوق خلال عهد إدارة دونالد ترامب، إذ حققت البنوك أرباحاً قياسية وقفزت قيمتها السوقية بشكل لافت، متفوقة على نظيراتها الأوروبية بفارق كبير. ويُعزى هذا التحول بشكل كبير إلى إقرار قانون التخفيضات الضريبية وفرص العمل، الذي خفض ضريبة الشركات بشكل ملموس، مما وفر مليارات الدولارات للمؤسسات المالية ورفع أرباحها بصورة مباشرة. كما ساهمت تخفيف القيود التنظيمية، ومنها رفع الحد الأدنى للأصول الخاضعة للرقابة المشددة، في منح البنوك مرونة تشغيلية أكبر.

بالإضافة إلى ذلك، لعبت بيئة أسعار الفائدة دوراً محورياً، حيث أسهم ارتفاع الفائدة في توسيع هامش الفائدة الصافي، وهو الفرق بين تكلفة الودائع وعوائد الإقراض. وقد أدى ذلك إلى زيادة أرباح الأنشطة المصرفية التقليدية ودعم التوسع في الإقراض. وقد استفادت البنوك أيضاً من قوة الاقتصاد الأميركي خلال تلك الفترة، مع انخفاض معدلات البطالة وزيادة الاستهلاك، مما رفع الطلب على القروض للأفراد والشركات والرهن العقاري، بالتوازي مع تحسن جودة المحافظ الائتمانية.

المخاطر والتحديات المستقبلية

على الرغم من النتائج الإيجابية، يشار إلى أن هذه الطفرة قد تنطوي على مخاطر، إذ إن جزءاً من الأرباح كان ذا طبيعة دورية ومرتبطاً بظروف ضريبية وتنظيمية استثنائية. كما أن التخفيف الرقابي السريع قد يزيد من التعرض لمخاطر السيولة والدخل غير التقليدي في حال تباطؤ النشاط الاستثماري أو تغير اتجاه أسعار الفائدة. وقد أثارت هذه المرحلة جدلاً حول زيادة العجز المالي الفيدرالي واتساع فجوة عدم المساواة، نظراً إلى أن المكاسب الأكبر ذهبت للشركات الكبرى والمستثمرين أكثر من الأسر العادية.

وفيما يتعلق بالمستقبل، فإن استمرار اتجاهات أسعار الفائدة، إلى جانب تطورات السياسات الاقتصادية والتنظيمية، مع الأخذ في الاعتبار أي تقلبات مفاجئة في الأسواق، ستكون عوامل حاسمة في تحديد مسار أرباح القطاع المصرفي الأميركي في الفترة القادمة.