من الانكماش إلى التكيّف: مسار الاقتصاد الأوكراني في ظل الحرب

الاقتصاد الأوكراني: بين الاستنزاف والغرب، رحلة صمود في وجه الحرب

على مدار أربع سنوات من الحرب الدائرة، يواجه الاقتصاد الأوكراني معتركاً شديداً يحدد مساره المستقبلي. تمزج هذه المعادلة القاسية بين استنزاف القدرات العسكرية، والتحديات الديموغرافية الحادة، والانكماش الإنتاجي، مقابل تدفقات مالية وعسكرية غربية شكلت رافعة أساسية للصمود والمواجهة. يمثل هذا الوضع الاقتصادي تحدياً محورياً لأوكرانيا في سعيها للحفاظ على استقرارها.

تستمر الحرب الروسية الأوكرانية في فرض ضغوط هائلة على البنية الاقتصادية لأوكرانيا منذ فبراير 2022. وتشكل الديون الخارجية المتزايدة، والتضخم المستمر، وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين، أبرز المعالم الاقتصادية لهذه المرحلة. ورغم ذلك، تظل الدعم الغربي، سواء المالي أو العسكري، عنصراً حيوياً في قدرة البلاد على التكيف.

تأثير الحرب على الاقتصاد الأوكراني

أدت الحرب إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية، بما في ذلك المصانع، والمزارع، وشبكات الطاقة، مما أدى إلى تراجع كبير في الإنتاج. وتعطلت سلاسل الإمداد، وانخفضت الصادرات بشكل ملحوظ، خصوصاً في القطاعات الحيوية كالزراعة. وتتفاقم هذه الخسائر بفعل النزوح الداخلي والخارجي لملايين الأوكرانيين، مما يؤثر سلباً على القوى العاملة والطلب المحلي.

يشكل الاستنزاف العسكري عبئاً مالياً ضخماً على الميزانية الأوكرانية، حيث تخصص الدولة جزءاً كبيراً من مواردها لتغطية النفقات الدفاعية. ونتيجة لذلك، تتزايد الديون الخارجية، مما يثير مخاوف بشأن الاستدامة المالية على المدى الطويل. إلا أن المساعدات المالية الغربية، التي تتضمن منحاً وقروضاً ميسرة، تلعب دوراً حاسماً في تمويل هذه النفقات الطارئة.

الدعم الغربي كشريان حياة

تعتبر التدفقات المالية والعسكرية من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، شريان الحياة للاقتصاد الأوكراني في ظل الحرب. تقدم هذه المساعدات دعماً مباشراً للميزانية، وتمول شراء المعدات العسكرية، وتساهم في إعادة بناء البنية التحتية المتضررة. وتساعد هذه التدفقات على استقرار سعر صرف العملة الوطنية، والحد من التضخم، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

ومع ذلك، فإن الاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية يطرح تساؤلات حول مستقبل الاقتصاد الأوكراني بعد انتهاء الحرب، أو في حال تباطؤ وتيرة الدعم. يشدد الاقتصاديون على أهمية تنويع مصادر الدخل، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وإصلاحات هيكلية لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد على المدى الطويل.

تتأثر القدرة الإنتاجية بشكل مباشر بالتحديات اللوجستية والأمنية. فالعديد من المناطق الصناعية الزراعية تقع بالقرب من مناطق القتال، مما يجعلها عرضة للأضرار وعدم استقرار الإنتاج. ويؤدي غياب العمالة، بسبب التعبئة العسكرية أو الهجرة، إلى تفاقم هذه المشكلة، مما يتطلب حلولاً مبتكرة لزيادة الكفاءة الإنتاجية.

إن الانكماش الإنتاجي لا يقتصر على القطاع الصناعي، بل يمتد إلى القطاع الزراعي الذي يعد عصب الاقتصاد الأوكراني. فتدمير الأراضي الزراعية، والألغام، وصعوبة الوصول إلى الأسواق العالمية، تفرض تحديات كبيرة على المزارعين. ورغم الجهود المبذولة لتجاوز هذه العقبات، يظل الإنتاج الزراعي أقل بكثير من مستوياته قبل الحرب.

يشكل الضغط الديموغرافي، الناتج عن نزوح السكان، تهديداً طويل الأمد لقدرة الاقتصاد على التعافي. ففقدان القوى العاملة الماهرة وغير الماهرة، بالإضافة إلى تدهور مستويات الخصوبة، يؤثر على النمو السكاني والإنتاجية. ويتطلب معالجة هذا التحدي استراتيجيات شاملة لإعادة الإعمار، وتوفير فرص عمل، وتشجيع عودة اللاجئين.

بحثاً عن استدامة اقتصادية

تتطلب استعادة النشاط الاقتصادي واستدامته بعد الحرب استثمارات ضخمة في إعادة الإعمار، والإصلاحات الهيكلية، وتعزيز ثقة المستثمرين. وتشمل هذه الإصلاحات مكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وضمان استقلال القضاء. كما أن تكامل أوكرانيا مع الأسواق العالمية، وتعزيز صادراتها، يمثل عنصراً أساسياً للنمو المستقبلي.

يعد الاقتصاد الأوكراني في مفترق طرق حاسم. فبينما تقدم المساعدات الغربية نافذة أمل للصمود، فإن الاعتماد عليها طويل الأمد ليس مستداماً. ترتكز آفاق التعافي على قدرة أوكرانيا على مواجهة التحديات الداخلية، وإجراء إصلاحات هيكلية، واستقطاب الاستثمارات. سيبقى مسار التعافي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بتطورات الحرب، وتأثيرها المستمر على البنية التحتية والقوى العاملة.

ماذا بعد؟

تعتمد الخطوات المستقبلية للاقتصاد الأوكراني بشكل كبير على مسار الحرب وقدرة أوكرانيا على تأمين استمرار الدعم المالي والعسكري الغربي. وتظل القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية، وإعادة بناء البنية التحتية، ومعالجة التحديات الديموغرافية، من أبرز العوامل التي ستحدد سرعة ومدى تعافي الاقتصاد.