يواجه العقار الصيني أزمة هيكلية عميقة، بعد تقلص مبيعاته إلى النصف منذ انفجار فقاعة الديون في عام 2021، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عقود. يشكل هذا التراجع تحدياً كبيراً لثاني أكبر اقتصاد في العالم، الذي كان قطاع العقارات فيه محركاً رئيسياً للنمو.
أزمة العقار الصيني: الآثار والتداعيات
منذ عام 2021، يمر سوق العقارات في الصين بفترة اضطراب لم يسبق لها مثيل. فبعدما كان القطاع يشكل رافعة قوية للاقتصاد الصيني، أدت تراكم الديون إلى انفجار فقاعة عقارية. وقد شهدت مبيعات العقارات تراجعاً حاداً، فاقداً حوالي نصف قيمته السنوية، ليستقر عند مستويات لم تشهدها الأسواق منذ عقود.
تتفاقم الأزمة العقارية في الصين، التي دخلت عامها الخامس، لتتحول إلى معضلة هيكلية تؤثر على استقرار الاقتصاد الكلي. لقد كشفت الهشاشة المتزايدة في هذا القطاع عن تحديات أعمق تتعلق بالديون والاستثمارات، مما يثير قلق المستثمرين والمراقبين الدوليين.
أسباب وتداعيات الأزمة العقارية الصينية
تعود جذور الأزمة العقارية في الصين إلى سنوات من النمو السريع المدعوم بتمويلات ضخمة، مما أدى إلى تراكم مبالغ هائلة من الديون على شركات التطوير العقاري. مع تشديد الحكومة الصينية لقيود الاقتراض في عام 2020، بدأت العديد من هذه الشركات تواجه صعوبات في سداد التزاماتها، وأبرزها شركة “إيفرغراند” العملاقة.
أدت هذه الصعوبات إلى سلسلة من حالات التخلف عن السداد، وزعزعت ثقة المشترين والمستثمرين في قدرة الشركات على إتمام المشاريع. وقد انعكس ذلك سلباً على مبيعات العقارات، التي تعد مؤشراً رئيسياً لصحة الاقتصاد الصيني، حيث يعتمد جزء كبير من الثروة الأسرية على الاستثمار في العقارات.
تؤثر أزمة العقار الصيني أيضاً على قطاعات أخرى، مثل الصلب والأسمنت، بالإضافة إلى التأثير على البنوك التي لديها قروض مستحقة لشركات التطوير العقاري. كما أن تراجع أسعار العقارات قد يقلل من ثروة الأسر، مما يؤثر على الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما يراه الاقتصاديون خطراً على النمو المستقبلي.
جهود الحكومة الصينية للتعامل مع الأزمة
تدرك الحكومة الصينية خطورة الأزمة العقارية، وتحاول اتخاذ عدة إجراءات لاحتوائها. فقد قامت بتخفيف بعض القيود على الاقتراض لشركات التطوير العقاري، وقدمت دعماً مالياً لبعض الشركات المتعثرة، بالإضافة إلى تشجيع البنوك على إعادة هيكلة الديون. كما تسعى السلطات إلى ضمان إتمام المشاريع السكنية المعلقة لحماية مكتتبيها.
من جانب آخر، تتجه السلطات الصينية إلى تشجيع الاستثمار في قطاعات أخرى، مثل التكنولوجيا والطاقة المتجددة، لتقليل الاعتماد على العقارات كمحرك أساسي للنمو. ومع ذلك، لا تزال فعالية هذه الإجراءات ومدى قدرتها على استعادة ثقة السوق أمراً غير مؤكد.
يشير العديد من المحللين إلى أن الأزمة العقارية في الصين قد تستغرق وقتاً طويلاً للحل، وأن التعافي قد يكون بطيئاً. وتعتبر معالجة الديون المتراكمة وضمان استقرار السوق العقاري من أهم التحديات التي تواجه الحكومة الصينية في المدى المتوسط والطويل. وتبدو الحكومة في وضع دقيق، حيث تسعى لتحقيق الاستقرار دون المخاطرة بتجديد فقاعة استثمارية.
المستقبل القريب لأزمة العقار الصيني
تتجه الأنظار الآن نحو الخطوات المستقبلية التي ستتخذها الحكومة الصينية لمعالجة قضايا الديون المستمرة في القطاع. ستمثل القرارات المتعلقة بتنظيم الإقراض، ودعم المطورين المتعثرين، وخلق طلب جديد، عوامل حاسمة في تحديد مدى سرعة تعافي العقار الصيني. يبقى السؤال حول ما إذا كانت هذه التدخلات ستكون كافية لاستعادة الثقة بشكل كامل، أو ما إذا كانت الأزمة ستستمر في إلقاء بظلالها على الاقتصاد الصيني لسنوات قادمة.


















اترك ردك