تحذيرات من أن النظام العالمي الذي تشكّل بعد 1945 يواجه خطر التفكك مع عودة منطق “عصر القوى الكبرى”، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وتحديات الهيمنة التقليدية. يشير الخبراء إلى أن الأطر التي أسست السلام النسبي بعد الحرب العالمية الثانية باتت تتعرض لضغوط متزايدة، مما يهدد بإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
يشهد العالم اليوم تحولًا جذريًا في موازين القوى، مما يعيد إلى الأذهان حقبة “عصر القوى الكبرى” الذي ساد قبل الحرب العالمية الثانية. يؤكد محللون أن النظام الدولي القائم منذ عام 1945، والذي قام على مؤسسات مثل الأمم المتحدة، يواجه تحديات وجودية تهدد استقراره.
تحديات النظام العالمي بعد 1945
الحرب العالمية الثانية شكلت نقطة تحول حاسمة في تاريخ العلاقات الدولية، حيث أسفرت عن انهيار الإمبراطوريات القديمة وظهور قوتين عظميين جديدتين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. على إثر ذلك، ترسخ نظام عالمي جديد سعى إلى منع تكرار الصراعات المدمرة من خلال إنشاء مؤسسات دولية متعددة الأطراف.
من أبرز معالم هذا النظام العالمي الجديد كانت الأمم المتحدة، التي تأسست عام 1945 بهدف الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وتعزيز التعاون بين الدول، وحل النزاعات بالطرق السلمية. إلى جانبها، نشأت مؤسسات أخرى مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بهدف تنظيم الاقتصاد العالمي وتوفير المساعدات للدول النامية.
عودة منطق “عصر القوى الكبرى”
يرى مراقبون أن عودة منطق “عصر القوى الكبرى” تعني أن الدول الأكثر نفوذاً بدأت تتصرف بشكل أحادي، متجاوزةً الأعراف والمؤسسات الدولية. يتجلى هذا في تزايد النزاعات الإقليمية، والتوترات بين القوى العظمى، والصراعات على المصالح والنفوذ، مما يهدد بتقويض مبدأ السيادة المتساوية للدول، وهو أحد الأعمدة الأساسية للنظام العالمي الحالي.
يُعزى هذا التحول جزئياً إلى صعود قوى جديدة على الساحة الدولية، وتراجع نسبي لنفوذ بعض القوى الغربية التقليدية. هذه الديناميكية الجديدة تخلق حالة من عدم اليقين وتسعى القوى الكبرى من خلالها إلى فرض رؤاها ومصالحها، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات القائمة وخلق أزمات جديدة.
التحديات التي تواجه النظام العالمي تشمل أيضًا الانتشار المتزايد للنزاعات بالوكالة، واستخدام العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط سياسية، وزعزعة استقرار الأسواق العالمية. هذه العوامل مجتمعة تدفع نحو تزايد القلق بشأن مستقبل الأمن والاستقرار على الصعيد العالمي، مما يعكس المخاوف من تزايد الانقسامات.
وتشير التحليلات إلى أن عودة الاعتماد على القوة العسكرية والمواجهات الثنائية بين القوى الكبرى قد تقوض الجهود الرامية إلى بناء سلام دائم. ذلك أن غياب الإجماع الدولي حول القضايا الملحة، وتصاعد الخطاب العدائي، كلها مؤشرات تدل على الابتعاد عن روح التعاون الذي ميز فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
من الممكن أن تؤدي هذه التغيرات إلى إعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية، وانقسام العالم إلى كتل متنافسة، مما يزيد من مخاطر الصراعات المباشرة. كما أن التنافس على الموارد والتكنولوجيا قد يشعل فتائل جديدة للتوتر بين الاقتصادات الكبرى.
إن الضغط المتزايد على المؤسسات الدولية، وقدرتها المحدودة على فرض الامتثال للقوانين والمعاهدات، يثير تساؤلات جدية حول فعاليتها المستقبلية. قد يجد النظام العالمي نفسه في مفترق طرق، يتطلب إعادة تقييم جذرية لآلياته وهياكله لضمان استمراريته وقدرته على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
ما التالي؟
يتجه العالم نحو مرحلة جديدة من عدم اليقين الجيوسياسي، مع تزايد احتمالية بروز صراعات أوسع نطاقًا. يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت القوى الكبرى ستتمكن من إيجاد صيغ جديدة للتعاون، أم أن منطق “عصر القوى الكبرى” سيسود، مما يعيد العالم إلى حقبة من التنافس والصراع.















اترك ردك