ما دلالات تجاوز الصين الولايات المتحدة كشريك رئيسي لألمانيا؟

الصين تستعيد عرش الشريك التجاري الأول لألمانيا وسط تحولات اقتصادية عالمية

برلين، ألمانيا – في تحول يعكس الديناميكيات المتغيرة للاقتصاد العالمي، استعادت الصين مكانتها كأكبر شريك تجاري لألمانيا، متجاوزة بذلك الولايات المتحدة. تأتي هذه المستجدات بالتزامن مع زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى بكين، في أول زيارة له منذ توليه منصبه، حيث من المقرر أن يلتقي بكبار المسؤولين الصينيين.

أظهرت بيانات صادرة عن المكتب الإحصائي الاتحادي الألماني أن حجم التجارة بين ألمانيا والصين بلغ 251 مليار يورو في عام 2025، مسجلاً زيادة بنسبة 2.2 بالمئة مقارنة بعام 2024. وعلى النقيض من ذلك، بلغت التجارة مع الولايات المتحدة 240 مليار يورو، مسجلة انخفاضاً بنسبة 5 بالمئة، وهو ما قد يُعزى جزئياً إلى التعريفات الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية السابقة.

أثر الرسوم الأميركية على العلاقات التجارية

أشار خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، إلى أن استعادة الصين لموقعها كأكبر شريك تجاري لألمانيا يعكس تضافر عدة عوامل. من أبرز هذه العوامل، تراجع الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة بسبب استمرار الرسوم الجمركية المرتفعة، مما أثر على تنافسية السلع الألمانية في السوق الأمريكية. وفي الوقت ذاته، زادت ألمانيا اعتمادها على الصين كمورد رئيسي، إذ ارتفعت وارداتها من السلع الصناعية والمكونات التكنولوجية الصينية، مما عزز موقع بكين.

ويبرز هذا التحول أيضاً أثر السياسات التجارية الأمريكية، حيث ساهمت الرسوم الجمركية المتصاعدة وبيئة عدم اليقين في العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي في تقليص زخم التجارة الثنائية. وقد أتاح ذلك للصين استعادة موقعها كشريك تجاري أول لألمانيا، مما يسلط الضوء على الدور المتنامي لبكين في سلاسل الإمداد الصناعية والتكنولوجية المرتبطة بالاقتصاد الأوروبي.

علاقة “غير عادلة” ودوافع براغماتية

في سياق متصل، وصف تقرير لصحيفة “الإيكونوميست” العلاقة التجارية بين البلدين بأنها “غير عادلة”، مشيراً إلى تزايد العجز التجاري الألماني مع الصين حيث بلغ 90 مليار يورو، أي ما يعادل 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الألماني. ويعود ذلك جزئياً إلى انخفاض صادرات السيارات الألمانية وغيرها من السلع إلى الصين، بينما تستحوذ الشركات الصينية التي تواجه ضغوطاً سعرية في سوقها المحلية على حصة سوقية متزايدة في دول أخرى.

من جهته، يرى الكاتب والمحلل المتخصص في الشؤون الأوروبية، الدكتور عبد الرحمن عمار، أن ألمانيا تتجه لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين بدافع براغماتي لحماية مصالحها الاقتصادية، خاصة وأن الاقتصاد الألماني يعتمد بشكل كبير على التصدير. في ظل سياسات أمريكية حمائية، تسعى برلين إلى تنويع أسواقها وتقليل المخاطر. كما تحاول ألمانيا، ضمن سياق أوروبي أوسع، تحقيق استقلالية استراتيجية تضمن توازناً دقيقاً بين واشنطن وبكين.

تعاون متبادل المنفعة

تؤكد الكاتبة الصحافية والمحللة الصينية، سعاد ياي شين هوا، أن تجاوز الصين للولايات المتحدة كشريك تجاري أول لألمانيا يمثل علامة فارقة تشير إلى مرحلة جديدة من التشابك العميق. فالصين وألمانيا تتمتعان بتكامل واعتماد متبادل كبير، حيث تعد الصين أكبر مصدر لواردات ألمانيا، بينما تظل ألمانيا مورداً رئيسياً للصين في مجالات التصنيع المتقدم والتقنيات الدقيقة.

هذا الارتباط الوثيق يعكس منطق السوق وتقسيم العمل الصناعي العالمي. ومن المتوقع أن تستمر هذه العلاقات في التطور، مع سعي ألمانيا والاتحاد الأوروبي لتحقيق توازن بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية، بينما تواجه الشركات الأوروبية تحديات المنافسة المتزايدة من المنتجات الصينية.

ماذا بعد؟

تركز الأنظار الآن على نتائج زيارة المستشار الألماني إلى بكين، وما إذا كانت ستسفر عن آليات جديدة لضمان “منافسة عادلة”، وكيف ستتعامل ألمانيا والاتحاد الأوروبي مع اعتمادهم المتزايد على الصين كمورد رئيسي، في ظل التوترات الجيوسياسية وأية تغييرات محتملة في السياسات التجارية الأمريكية.