القاهرة – شهدت مصر مؤخراً تشكيلاً حكومياً جديداً، يعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة ضبط البوصلة التنفيذية للدولة. يبرز هذا التغيير تركيزاً لافتاً على المجموعة الاقتصادية، مع استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بهدف تعزيز التنسيق المركزي للسياسات المالية والنقدية والاستثمارية. تأتي هذه التعديلات في وقت يفرض فيه الواقع الاقتصادي المحلي والدولي تحديات كبيرة على الحكومة المصرية الجديدة، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، مما يتطلب تسريع وتيرة النمو وضمان تحوله إلى تنمية شاملة تمس حياة المواطنين.
تضع التكليفات الرئاسية أمام الفريق الاقتصادي اختباراً حقيقياً لإدارة الملفات الحساسة، بما في ذلك خفض الدين العام، وضبط التضخم، وتعزيز دور القطاع الخاص، بالتوازي مع الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. يمثل هذا التشكيل الوزاري خطوة هامة نحو تحقيق رؤية اقتصادية واضحة المعالم، خاصة مع استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، الذي سيكون مسؤولاً عن التنسيق والمتابعة داخل المجموعة الاقتصادية لضمان صياغة سياسات متكاملة وآليات تنفيذ ومتابعة وتقييم فعالة.
التعديلات الوزارية وترتيب الأولويات الاقتصادية
شمل التشكيل الوزاري الجديد بقاء 15 وزيراً، إلى جانب 13 وزيراً جديداً، مع تغييرات ملحوظة في وزراء الملفات الاقتصادية. تم تعيين حسين محمد أحمد عيسى نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، فيما تم دمج وزارة التعاون الدولي مع وزارة الخارجية تحت قيادة السفير بدر عبد العاطي. ويتولى أحمد رستم حقيبة وزارة التخطيط، بينما تم تعيين محمد فريد وزيراً للاستثمار. أما وزارة الصناعة فذهب إلى خالد هاشم، واستمر كامل الوزير وزيراً للنقل، في حين تم تعيين رأفت هندي وزيراً للاتصالات.
يؤكد الخبراء أن مصطلح “التنمية الاقتصادية” الذي ورد في خطاب التكليف الرئاسي يعكس رؤية اقتصادية واضحة ومحددة الأولويات، تذهب أبعد من مجرد النمو الاقتصادي. فالتنمية الاقتصادية مفهوم أشمل يركز على السياسات التوزيعية وضمان وصول ثمار النمو إلى مختلف فئات المجتمع، سعياً لتحقيق تنمية اجتماعية حقيقية.
ملفات اقتصادية عاجلة ومستقبل القطاع الخاص
تتضمن أبرز التحديات والمهام أمام الحكومة الجديدة التركيز على ملف الاستثمار، لا سيما زيادة حجم الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز الترابط بين السياسات الاستثمارية والصناعية عبر توطين الصناعات ذات القيمة المضافة. هذا التنسيق يهدف إلى زيادة مشاركة القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وتعزيز التدفقات الدولارية، ورفع حجم الإنتاج الموجه للتصدير، مما يدعم نمو الصادرات وخلق فرص عمل جديدة.
كما تبرز ضرورة تعميق التصنيع المحلي وزيادة نسبة المكون المحلي في الإنتاج، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات وتخفيف الضغط على الدولار، مما يسهم في تحسين وضع الميزان التجاري وتقليص عجزه، وينعكس إيجاباً على استقرار سعر الصرف. إلى جانب ذلك، تأتي إدارة ملف الدين العام بكفاءة، من خلال تنسيق فعال بين السياسة المالية والنقدية، لوضع الدين على مسار نزولي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
يشكل ملف التضخم وضبط الأسعار تحدياً جوهرياً، رغم الجهود المبذولة. يتطلب الأمر الاستمرار في هذا المسار، مع تعزيز آليات التنبؤ والإنذار المبكر لرصد الأزمات والتعامل السريع معها، خاصة في السلع ذات الطابع الموسمي أو المتأثرة بممارسات احتكارية، لمنع تفاقم الضغوط السعرية.
عام جني الثمار وتحقيق التطور المنشود
يشير الخبراء إلى أن عام 2026 يُنظر إليه كـ “عام جني الثمار” للمواطن المصري، بعد تحمل عبء الإصلاحات الاقتصادية. هناك توقعات بأن يترجم التعديل الوزاري وهذه الوزارة الجديدة هذه التحديات ومعالجة الخلل الموجود في الميزان التجاري، والموازنة العامة، والدين الخارجي والمحلي. إذا امتلكت الحكومة الرؤية والقدرة الكاملة لتحقيق ذلك، ستشهد المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري تحسناً إيجابياً، بما في ذلك استقرار أسعار السلع وتوازنها في الأسواق.
تتضمن التكليفات الرئاسية للحكومة متابعة تنفيذ سياسة ملكية الدولة بخطوات ملموسة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، واستكشاف مجالات جديدة لدعم الاقتصاد مثل التقنية والمعادن النادرة، وتشجيع الابتكارات وتمويل أبحاثها وتطبيقاتها. ويبقى الأمل معقوداً على أن يشعر المواطن المصري بقيمة الخدمات والإمكانات المقدمة، وأن تشمل هذه التحسينات توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، مع تحقيق تطور إيجابي لصالح الاقتصاد المصري في كافة قطاعاته.
ماذا بعد؟
تتجه الأنظار نحو أداء المجموعة الاقتصادية الجديدة في ترجمة التكليفات الرئاسية والإصلاحات المعلنة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. يمثل نجاح الحكومة في معالجة التحديات الاقتصادية الحالية، لا سيما فيما يتعلق بالتضخم والدين العام والاستثمار، مؤشراً رئيسياً على مسار الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة، مع ترقب لمزيد من التفاصيل حول آليات تنفيذ هذه الخطط.

















اترك ردك